بر الأم
نعم يا أمي، برّك في كل لحظاتي، وليس في يوم واحد من العام، وليس في شهر، وليس في أسبوع، بل في كل لحظة، مع كل نَفس، مع كل نبضة، مع كل خَلجة، هذا إسلامنا الجميل.
بكِ أوصانا الله بعد عبادته: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: من الآية 36).
ولا تكون الوصية من الله إلا لعظم الوصية، وجزيل الثواب منه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)﴾ )لقمان).
فعيدك يا أمي في كل أوقاتي بما فضلك به الله في ثلاثة مواضع: في الحمل والولادة والإرضاع، تنفردين بهن، بل قال البعض أربعة، فالرابعة بمشاركتك في التربية مع الأب.
وبعد شكر الله شكر الوالدين بل قال ابن عباس: ثلاث آيات مقرونات بثلاث ولا تقبل واحدة بغير قرينتها:
- ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فمن أطاع الله ولم يطع رسوله لم يقبل منه.
- ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه.
- ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾: فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه.
صلى عليك الله يا خير الناس، وفمك ينطق بالحق "رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما"، حتى عن الجهاد وعن الهجرة: فعن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان (وكأنها بطولة)، فقال رسول الله: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما، ويأتي آخر ليستأذن رسول الله في الجهاد، فأمره أن يرجع ويبر أمه، ولما كرر عليه قال صلى الله عليه وسلم: "ويحك.. الزم رجلها.. فثم الجنة".
ويا لها من دموع شريفة، وعبرات ساخنة، من الحبيب المصطفى، حينما وقف على قبر أمه ومعه أصحابه، وجيش تعداده ألف فارس، فأبكى من حوله.
وهكذا أنبياء الله، هذا نوح يقول ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (نوح: من الآية 28)، وهذا إبراهيم رغم عداء أبيه له، يقول له ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ (مريم: من الآية 47)، وهذا إسماعيل يرى ذبحه ويقول: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: من الآية 102)، ولذا فقد مدح الله يحيي بقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14)﴾ (مريم 14) ويقول عيسى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)﴾ (مريم).
وبعد كل ذلك: هل طاعة الوالدين تتعارض مع طاعة الله؟
الطاعة لله مطلقة أما طاعة الوالدين فالله جعل لها حدًّا حيث القاعدة: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ورضي الله عن سعد بن أبي وقاص حينما علمت أمه بإسلامه فامتنعت عن الأكل حتى يرجع عن دينه فأبى، وكلمها ثلاثة أيام لتأكل وهي تأبى، فقال لها: لو أن لك مائة نفس فخرجت نفس نفس ما رجعت عن ديني، فلما رأت منه ثباتًا وصلابةً أكلت، فنزل فيه، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: من الآية 15).
وتأمل معي هذه الإشراقات القرآنية في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ (الإسراء).
1- نحن المخاطَبين:
فوقت نزولها لم يكن للنبي أب أو أم: فكم سهرا لتنام، وكم بكيا لتضحك، وكم جاعا لتشبع، وكم تلذذا بضمك مع إزعاجك، وكم تلذذا بشمك مع عدم نظافتك، وكم سعدا بك وأنت لا تدري.
2- يبلغن عندك الكبر:
عندك وليس في دور المسنين، أو في الشوارع مطرودين، فهما في الكبر أحوج، لحاجتهما إلى المساعدة، وها هو صوت النبي يرويه أبو هريرة: "رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه"، قالوا: مَن يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر أو كليهما ثم لم يدخل الجنة".
3- لا أفٍ ولا نهر:
لا أفٍ في القول وهذا في حال الطاعة، ولا نهر في حال المعصية، وقد حذر الإسلام من العقوق فكل الذنوب يؤخر الله فيها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات، تروي كتب الأدب عن شاب جر أباه ليذبحه، وعندما وصل إلى مكان حجرة، قال الأب لابنه: اذبحني هنا فقد ذبحت أبي هنا.


































